الشيخ محمد علي طه الدرة

655

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

هذا واتّفق العلماء على أنّ كتمان صدقة التطوع أفضل ، وإخفاؤها خير من إظهارها ؛ لأنّ ذلك أبعد من الرياء ، وأقرب إلى الإخلاص ، وفي صدقة السرّ أيضا فائدة ترجع إلى الفقير الآخذ ، وهي : أنّه إذا أعطي في السر ؛ زال عنه الذل والانكسار ، وإذا أعطي في العلانية يحصل له الذلّ والانكسار ، ويدلّ على أن صدقة السرّ أفضل ما روي عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سبعة يظلّهم اللّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه : إمام عادل ، وشابّ نشأ في طاعة اللّه تعالى ، ورجل قلبه معلّق في المساجد ، ورجلان تحابّا في اللّه تعالى ، اجتمعا على ذلك ، وتفرّقا عليه ، ورجل ذكر اللّه خاليا ، ففاضت عيناه من خشية اللّه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب ، وجمال ، فقال : إنّي أخاف اللّه ، ورجل تصدّق بصدقة ، فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » . أخرجاه في الصّحيحين ، وفي الحديث أيضا : « صدقة السّرّ تطفئ غضب الربّ عزّ وجلّ » . وأما الزّكاة الواجبة فالجهر بها أفضل من الإسرار لأمرين : أولهما : ليقتدى بفاعلها ، وثانيهما : لئلا يتّهم بمنعها ، ولا سيما إن كان ظاهر الغنى . وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ : يمحو ، ويزيل ، أو يعفو ، ويصفح ، وأصل التكفير في اللغة : التغطية ، والسّتر ، ويقرأ الفعل بالياء والنون ، وبالرّفع وبالجزم عطفا على جملة جواب الشرط ، والسيئات : هي المعاصي ، والمخالفات التي يفعلها العبد ، ومفردها : سيئة . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يعني : لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، والخبير من أسماء اللّه الحسنى ، وهو العالم بكنه الشيء وحقيقته من غير شك ، والخبير في صفة المخلوقين إنّما يستعمل في نوع من العلم ، وهو الّذي يوصل إليه بالاجتهاد ، والفكر ، واللّه تعالى منزّه عن ذلك كلّه . هذا ؛ و « نعم » فعل ماض لإنشاء المدح ، و « بئس » فعل ماض لإنشاء الذم ، قال في المختار : نعم : منقول من : نعم فلان - بفتح النون وكسر العين - : إذا أصاب النّعمة ، و « بئس » منقول من : « بئس » بفتح الباء ، وكسر الهمزة : إذا أصاب بؤسا ، فنقلا إلى المدح ، والذم ، فشابها الحروف ، فلم يتصرّفا ، وفيهما أربع لغات : « نعم ، وبئس » بكسر ، وسكون ، وهي أفصحهن ، ثم « نعم ، وبئس » بكسر أولهما ، وثانيهما ، غير أن الغالب في ( نعم ) أن يتصل بها ( ما ) كما في الآية التي نحن بصدد شرحها ، وكما في قوله تعالى في الآية رقم [ 58 ] من سورة ( النساء ) : نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ و « بئس » اتصلت بها ( ما ) على اللغة الفصحى ، كما في قوله تعالى في الآية رقم [ 90 ] : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ . . . إلخ ، والآية رقم [ 93 ] : بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ . . . إلخ ، والآية رقم [ 150 ] من سورة الأعراف : بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي . . . إلخ ، واللغة الثالثة : « نعم ، وبأس » بفتح ، وسكون ، والرابعة : ( نعم ، وبئس ) بفتح وكسر ، وهي الأصل فيهما ، ولا بدّ لهما من شيئين : فاعل ، ومخصوص بالمدح ، أو الذم ، قال ابن مالك رحمه اللّه تعالى في ألفيته : [ الرجز ] فعلان غير متصرّفين * نعم وبئس رافعان اسمين